الغزالي
422
إحياء علوم الدين
كتاب أسرار الصوم بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله الذي أعظم على عباده المنة ، بما دفع عنهم كيد الشيطان وفنّه ، ورد أمله وخيب ظنه ، إذ جعل الصوم حصنا لأوليائه وجنّه ، وفتح لهم به أبواب الجنة ، وعرفهم أن وسيلة الشيطان إلى قلوبهم الشهوات المستكنة ، وأن بقمعها تصبح النفس المطمئنة ، ظاهرة الشوكة في قصم خصمها قوية المنة . والصلاة على محمد قائد الخلق وممهد السنة ، وعلى آله وأصحابه ذوي الأبصار الثاقبة والعقول المرجحة ، وسلم تسليما كثيرا أما بعد : فان الصوم ربع الإيمان بمقتضى قوله صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « الصّوم نصف الصّبر » وبمقتضى قوله صلَّى الله عليه وسلم [ 2 ] « الصّبر نصف الإيمان » ثم هو متميز بخاصية النسبة إلى الله تعالى من بين سائر الأركان ، إذ قال الله تعالى فيما حكاه عنه نبيه صلَّى الله عليه وسلم [ 3 ] « كلّ حسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلَّا الصّيام فإنّه لي وأنا أجزى به » وقد قال الله تعالى : * ( إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ ) * « 1 » والصوم نصف الصبر ، فقد جاوز ثوابه قانون التقدير والحساب ، وناهيك في معرفة فضله قوله صلَّى الله عليه وسلم [ 4 ] « والَّذي نفسي بيده لخلوف فم الصّائم أطيب عند الله من ريح المسك يقول الله عزّ وجلّ إنّما يذر شهوته وطعامه وشرابه لأجلي فالصّوم لي وأنا أجزى به » وقال صلَّى الله عليه وسلم [ 5 ] « للجنّة باب يقال له الرّيان لا يدخله إلَّا الصّائمون » وهو موعود بلقاء الله تعالى في جزاء صومه وقال صلَّى الله عليه وسلم [ 6 ] « للصّائم فرحتان : فرحة عند إفطاره
--> « 1 » الزمر : 10